الحسين بن علي عليهما السلام

القضية الغائبة والمعارك الوهمية وتعميق التيه

تابعنا على:   08:14 2022-08-09

صالح عوض

أمد/ فيما يواصل نهر الدم الفلسطيني ممارسة عاداته في التصدي لآلة البطش أكاد أجزم أن لا أحدا قد ناله ظلم في حياته وبعد موته كما نال الامام الحسين عليه السلام، شوهوا قضيته وافسدوا روح رسالته وحرفوا مسيرته، وهمشوا نضاله الاستثنائي وهو من هو أب الاحرار وزعيم الثوار.. فهذا ابن فاطمة الزهراء ينال من الدلال والحب من رسول الله مالم ينله طفل قط، وهو المبشر واخوه بانهما سيدا شباب اهل الجنة، أي محنة هذه التي قادته الى ان يصبح عكس ما أراد فلقد كان عنوانا للرسالة واذا به يصبح مادة للشقاق والخلاف، خرج مجددا لدين جده واذا بالبعض يحوله الى عكس دين جده، بل ليحوله البعض الى زعيم دين جديد، بطقوس جديدة وثقافة جديدة ومعان جديدة.. لقد كان صوت الحق الذي يرفض الزيف والخضوع فاذا به اليوم راية لجموع كثيرة لا يخلو منها العبيد لغير الله وأصدقاء الامريكان والمستخفين بعقل الانسان، أي قضية حملها الحسين؟ هل انتصرت ام انهزمت قضيته؟ اقترب من الحسين لعلي أستطيع الإشارة الى بعض عناصر قضيته فيما لن أستطيع الادعاء أن بإمكاني ولو قليلا إزاحة ما ران على قضيته من ركام الروايات المختلقة والتهميش المتعمد.
نهضة الحسين:
من المهم النظر للحسين في سياقين الأول سياق النظام السياسي الإسلامي الوليد الخلافة الراشدة "ابوبكر وعمر وعثمان وعلي والحسن" وسقوطه مع موت الحسن عليه السلام والسياق الثاني كونه ابن علي الرفيق الأول لرسول الله والخليفة الراشدي وابن فاطمة بنت رسول الله وماله من قداسة وتعظيم في خط الرسالة مع أخيه الحسن وتميزهما بالمناقب العليا التي اجمع الناس عليها وانبأ رسول الله بها.
في هذين السياقين المتوازيين ينبغي ان ندرك ان الحسين وهو اخ الحسن وابن علي ينتمي لنفس المدرسة والمنهج نفسه في التعامل مع القضايا الأساسية وانه مثلهما امين على سلامة المسيرة والحفاظ على نقاء الرسالة ومعالمها.. وعلى هذا ينبغي القطع بان ما التزم به الامام علي في واقع الخلافة الراشدة ودفاعه عنها ضد المنافقين وتقديمه للحق العام عن الحق الشخصي مهما بلغت قداسته والامام الحسن الذي لم يجمد امام التحدي الخطير الذي كاد ان يمزق الامة فخفض جناح الصلح لكي تعبر الامة مرحلتها الحرجة امام تصلب معاوية وتحشيده للعوام في بلاد الشام وتنصيب نفسه حاكما واستطاع الحسن ان يوحد الامة ويصلح فيما بينها مؤكدا نبوءة جده على ان تكون عهدة معاوية اخر خطوة في طريق اغتصاب الحكم الإسلامي، هذا هو السياق النفسي والأخلاقي الذي يسير فيه الحسين وهو يواجه نكوصا امويا عما تم الاتفاق عليه ومحاولة لتكريس مبدأ الوراثة في الحكم وتحطيم النظام السياسي الإسلامي القائم على الشورى والبيعة.. رفض الحسين هذا الخلل الخطير وجهر بموقفه وراسل معاوية واعترض على ما يحضر له من تهيئة الأجواء لحكم يزيد وتفرد الحسين بإعلان موقفه فيما ضعف او جبن كثيرون من الجهر بالموقف والمسألة هنا ليست متعلقة بشخص يزيد مع كل ما يرافق اسمه من شنائع الصنع والسلوك، انما المسألة مسألة منهج يتم تدميره بتحويل الحكم والشورى والبيعة واولي الحل والعقد الى هرقلية مستبدة طاغية تحكم بالهوى وتقود الامة على غير هدى.. مات معاوية واعلن في الشام عن تولي ولي العهد يزيد امر الامة ولم يكن الامر مستساغا لدى كثيرين من علمائها وقادتها والصحابة وأبناء الصحابة، وان كان كثيرون قد التزموا الصمت فيما لا زالت دماء المسلمين تتراءى لهم جراء المواجهات المسلحة مع معاوية والخوارج، ونهض مسلمون كثيرون يتحسسون طريق الخلاص من الحكم الاموي والبحث عن افضل الشخصيات الإسلامية آنذاك وليس في الميدان اكثر طهرا واعمق ايمانا واثبت وجدانا من الحسين بن علي فنادته الكوفة عاصمة ابيه ليقيم فيهم منهج الإسلام هنا ليس امام الحسين وهو يرى كيف ينهار النظام الإسلامي السياسي وتبرز قرون الجاهلية والعصبيات الجاهلية لتسود امة منهجها الشورى والبيعة، فنهض الحسين للواجب وما كان لمثله ان يتخلى، فلئن ضعف وجبن كثير من قادة الامة حينذاك فان الحسين من جبلة أخرى انه امتداد لخط النبوة والاستقامة في الامة.
هذه هي الفكرة الأساسية التي تدور حولها قضية الحسين انها الخروج لإعادة الامة الى حياض النظام السياسي الإسلامي ليعيد اليها الأمان والاستقرار والعدل والرحمة والاخوة الإنسانية..
انها الخطوة التي لا يقوم بها الا نبي او ولي من أولياء الله الصالحين.. وله التقدير الكامل بالقيام بالمهمة للتصدي للانحراف وعلى كل من آمن بالرسالة ومنهجها ان ينحاز اليه وينصره ولا يتردد في ذلك لان المعركة حاسمة وفاصلة.. قد يقول قائل بان المهمة خطرة وقد تنتهي الى الهلاك فالرد عليه سهل وبسيط اذ ان المكوث دون القيام بهذه المهمة الخطرة لن يجلب سلامة للامة وهي ترى منهجها يعتدى عليه وان اسلامها يتحول أداة تسلط بيد حكام يتوارث الامة ويتسلط عليها بلا حق ويستغل أموالها ويفسد صفاءها ويفتن صلحاءها وائمتها..
تصدي الحسين للانحراف:
هنا تتضح مهمة الحسين وقضيته وله في ذلك اقوال مأثورة كثيرة يحدد فيها عناصر قضيته يحفظها كل من يعرف الحسين.. لم يفاجئ الحسين أحدا بموقفه ضد الحكم الاموي لاسيما العهد ليزيد بالحكم ولقد تصدى لمعاوية في مراسلات عديدة ينهاه عن مواصلة موقفه في العهد ليزيد ولهذا لم يكن مفاجئا في الخروج الى الكوفة حيث جاءته مبايعة القوم بإقامة الخلافة هناك في عاصمة أبيه وما كان عليه ان يتردد ابدا وهو الرافض للمنهج المنحرف المعتدي والمتسلط على الامة، ما كان للحسين وهو الامام الذي يشار اليه بالبنان راسخ القدم طاهر النسب والشجاع والعالم والامام الذي لا يدانيه احد من حاضري زمانه علما ودينا ونبلا وطهارة،
حتى هنا فالأمر واضح لا لبس فيه أبدا ولكن لابد من ابرازه تماما وهو بذلك يمثل انتصارا لمنهج الخلافة الراشدة والسير على منوالها بان لا يتم تسمية خليفة الا برضى الناس "ثمرة الفؤاد وصفقة اليد" حتى لو كان خير الناس ويشعر انه امام موصى له فالأمر بالنسبة للخلافة لا يكون الا برضى الناس وهو بذلك يحمي ارث الخلافة فيما يبدو وكأنه يشرع لكل محاولة للإصلاح ضد الانحراف والاستبداد وانتزاع الملك بالقوة دون رضى من الناس .. وإعادة الحكم للشورى والبيعة وبناء على رضى الناس وبعيدا عن انتهاج أسلوب القهر والتسلط.
حسين والصدمة:
في طريقه تلبية لدعوة أهل الكوفة الذين بايعوه خليفة للمسلمين وأمير مؤمنين بلغه أن اهل الكوفة ارتدوا عن عهدهم ونكصوا على ايمانهم وانحازوا الى جيش ابن ابيه الاموي وقاموا بتسليم ابن عمه والنائب عنه في الكوفة مسلم بن عقيل ليقتل غدرا وخيانة.
لم يكن الحسين رجل عدمي بل كان سياسيا بإتقان كما كان مبدئيا بثبات وكان يفرق جيدا بين ثوابت المبادئ الجوهرية ومقتضيات العمل اليومي في إدارة الصراع، هنا يتكشف لنا القائد المسؤول ليشرق من جديد نهج النبوة في التعامل مع الواقع المتبدل النهج نفسه سلكه علي، وسلكه الحسن.
ماذا يفعل الحسين وهو يرى ان أهل الكوفة خانوه وقتلوا ابن عمه وانحازوا الى جيش يزيد؟ ماذا يفعل الحسين وهو يرى تبدل الأحوال وهاهو الجيش الاموي يحيط به؟ هنا وبروح المسئول الكبير وقف الحسين يناقش قادة الجيش الاموي ويحاورهم ويوسع في مناقشتهم ولكنهم اصروا على امر واحد ان يبايع يزيدا أي بمعنى ان يفقد حريته في اتخاذ موقف في الحياة موقف الرضى او الرفض.. وقدم الحسين مقترحات تتناسب مع ميزان القوى المختل ان يتركوه يعود الى بيته في المدينة او يذهب الى اليمن أوان يذهب لملاقاة يزيد أو.. أو.. لكنهم رفضوا واصروا على ان يبايع امامهم قبل الذهاب الى دمشق، انهم لم يتركوا له أي خيار.. هنا أدرك الحسين انه مخير فقط ان يعطيهم موقفه او يقطعوا رأسه فعاد بكل المسئولية الى مجموعة الاصحاب حوله ليبلغهم ان لا قوم يريدونه هو وانهم في حل من أي بيعة وعليهم ان يلتحقوا باهلهم وظل يحرضهم على الانصراف الى سبيلهم،
بعد ان صرف معظم أصحابه عن الميدان ولم يبق معه الا ال بيته واخوانه، خرج للقوم يقول لهم اياكم ان تنتظروا مني ان اعطيكم الموافقة على اعتلاء يزيد الحكم.. هنا الحسين يضع امام أنصاره الذين انسحبوا والمنتشرين في شتى الاصقاع ان الحسين لم يخرج بطرا انما لمهمة مقدسة والان هاهو يحال بينه وبينها اذن هو يعود الى بيته ولكنه لا يعود عن قناعته بطغيان منهج الحكم والعدوان على منصب الخليفة..
لم يكن قادة الجيش الاموي يدركون قيمة الانسان لدى الانسان المشبع ايمانا والمضيء اشراقا وعقيدة، وفضلا عن جريمتهم النكراء الا انهم اغبياء جدا حيث حاولوا مساومة الحسين ببيعة يزيد وهنا وقف الحسين وقفة للتاريخ ولكل أبناء الأرض انه يمكن ان نتنازل عن أشياء كثيرة ومنها المعركة او نظام الحكم لكن لا ان نتنازل عن حقنا في القبول والرفض.
قتل الحسين في ملحمة لا يكاد يتخيلها مسلم او انسان حر، وكان القتلة أكثر من كونهم مجرمين هم لم يختلط الايمان بقلوبهم ولم يلامس قلوبهم الإسلام قط ولا احترام النبي وتعظيمه انهم قتلوا الحسين واخوانه وابنائه في ملحمة يصعب الحديث في تفاصيلها وقطعوا رأسه ليأخذوه الى يزيد في دمشق..
هنا لابد من تأمل اللحظات الحاسمة في حياة الحسين في مواجهة الجيش الأموي حاول الحسين مفاوضة قادة القوم وطلب منهم ان تترك النساء بعيدا عن تداعيات المعركة وطلب منهم المنازلة عندما اغلقوا عليه كل الأبواب ومنها باب ان يذهب الى دمشق.. كان قادة الجيش في حالة من نشوة الانتصار الى الدرجة التي أنستهم أنهم أمام الحسين بن علي عليهما بالسلام وظنوا انهم سينتزعون منه رأيه والا فسيتنزعون رأسه..
صمد الحسين واخوته وابناؤه وقد قتلوا واحدا تلو الاخر في مواجهة جيش مدجج بالسلاح والجريمة وسقط الشهداء واحدا تلو الاخر بين يدي ابي عبدالله وهو يودع قتلاه صابرا محتسبا مصرا انه لن يعطيهم كلمة الرضى والقبول وهو يدرك ماذا تعني هذه الكلمة انها تعني بوضوح ان نهضته لم تكن خالصة لله وان لا فرق بينه ويزيد وكأن المسألة مسألة حكم وصراع على السياسة.
شبهات حول مواجهة الحسين:
ما يقوم به البعض ممن يدعون اتباعا وولاء للحسين انما في حقيقة الامر ظلم بائن للحسين وتشويه لمعالم رسالته وهي في نفس الوقت تشويه لمعالم الإسلام الذي يجعل من الأنبياء انما هم رسل وان القول الحق والمبارك كله هو كلام الله والصحيح في كلام الرسول..
ان دراسة ظاهرة الحسين تبرز لنا ولأول مرة في تاريخنا الإسلامي بروز جيل من المسلمين يؤكدون على أهمية التشبث بحق الامة في اختيار حكامها وضرورة تكريسه وحقها في صندوق رأس المال وتوفير السبل والإمكانات لرفاه الامة وتبرز لنا حق الانسان في الرفض وان لا احد بإمكانه انتزاعها من النفوس.
الحسين امام وقائد سياسي وهو في الوقت نفسه ابرز سوء الانحراف وفشله عن استيعاب المشهد ,, الحسين بن علي لا يوجد في المزارات ولا اللطيمات ولا المسيرة حبوا ولا المسرة من عشرات الكيلومترات، واذية النفس ماديا ومعنويا.. الحسين ليس خارقا للعادة يحقق المعجزات انما هو عبد تجري سنن الله وقوانينه بلا تلعثم.. ولهذا فان اختلاق الروايات حول الحسين هو في الحقيقة صرف للناس عن جوهر رسالته الإصلاح والثبات
تطل علينا الذكرى تقول لنا لستم استثناء فمن يجتمع اليه أسباب النصر ينتصر ويغلب والا فانه سيهزم ويقتل وستكون الغلبة لمن كان بيده امتلاك الوسائل والإمكانات والاعداد والإرادة...
سيدي الامام سلام الله عليكم سلام لك وعليك يا اب الاحرار ويا امام الثوار المصلحين

اخر الأخبار