أنا "صايم" عن الكلام لآخر يوم

تابعنا على:   09:29 2021-06-08

أشرف العشرى

أمد/ بقراءة متأنية ومعمقة اجد انها المرة الوحيدة منذ سنوات وعقود التى تلوح فى الأفق فرصة حقيقية لإمكانية اتاحة وقت مستقطع طويل أمام دول وشعوب المنطقة لإمكانية التخلى عن إشعال الحرائق وإضرام النيران فى قادم الأيام.

وخاصة بعد حرب غزة الأخيرة وتوقف وحشية القصف والانتهاكات الإسرائيلية والتلويح بفرص صنع السلام فى الإقليم هذه المرة. ربما لان الجميع بما فيهم الفلسطينيون والإسرائيليون قد استوعبوا الدروس والخلاصات والعبر وربما بعضهم انتهى من المراجعات النقدية. ناهيك ان الجميع فى الإقليم قد تعب واشتد به الملل الكبير وأصابه الضجر اللعين وفقدان الأمل فى لحظات العسر والضيق. لأجل ذلك ربما تلوح فرص الأمل فى هذا الأوان لاكثر من سبب ومبرر، على اعتبار أن المعادلات السياسية والأمنية فى المنطقة آخذة فى التغيير. أولها هو العودة الميمونة للدور والحضور المصرى فى الإقليم بكل هذه القوة والفاعلية وقد برز هذا جليا فى الحرب الأخيرة فى غزة وما بعدها من صياغة مشروع الهدنة. ثم الشروع السريع الذى لم يعهده أى متابع فى الإقليم والعالم منذ عقود لإعادة اعمار غزة بهذه السرعة والإقدام وتلك الهمة. فضلا عن أن هذا الحضور المصرى أزاح فكرة الهيمنة والتموضع الثلاثى لقوى إقليمية كبرى فى المنطقة إيران - تركيا - اسرائيل. وعادت بقوة لرسم معادلات وخطوط فاصلة لنزاعات المنطقة وأصبحت مركز رهانات القوى الدولية - امريكا - روسيا الاتحادية - الاتحاد الاوروبى وغيرها. ناهيك عن متغير آخر فى إسرائيل وهو ذهاب حكومة نيتانياهو ورحيل اكبر عقبة كئود أمام تحريك التسوية السياسية. بلغة الواقعية وقوة الزخم المصرى الدافع الى اعادة ترتيب البيت الفلسطينى هذه المرة أجد أنها الفرصة الأخيرة والجادة لتمكين الفصائل الفلسطينية خلال اجتماعاتهم الحالية بوساطة مصرية فاقت التوقعات وحاربت الوقت وحطمت العراقيل لرأب الصدع وعودة جادة الصواب والجاهزية للانضواء تحت راية منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية كما ترغب وتسعى القاهرة ٠وتضاعف الجهد لتجاوز نهر الخلافات وشلال المكايدات الفلسطينية لاكثر من ١٤ عاما منذ تهورات حماس المنفلتة فى غزة يونيو 2007.

ولعل يكون خطاب ولغة يحيى السنوار الجديدة بعد عدوان غزة خير دافع للتغيير والتصالح وتجاوز المشاحنات والمساجلات الداخلية بين الفلسطينيين التى جلبت لهم أضعاف الخسائر بعد فرص أوسلو عام ١٩٩٣ حتى لايظلوا الى الابد اسرى الماضى و ملوك الفرص الضائعة. فاستغلال حالة الزخم والحيوية والحركية المصرية قد لا تستمر الى مالانهاية مالم يقابلها تفاعل حركى وعقلانية فلسطينية. فالوقت يدهم الجميع واستغلال الانعطافة الأمريكية الجديدة لإدارة بايدن والعودة للشرق الأوسط ولو نسبيا. بعد أكثر من ثلاثين عاما حضورا صحفيا ومتابعة وتغطية وعلاقات صداقة وقربا من القيادات الأولى فى الصف والمشهد الفلسطينى أجدنى مدفوعا لمخاطبة السلطة والفرقاء الفلسطينيين بألا تضيعوا تلك الفرصة الجدية والتماهى بفعالية هذه المرة مع الحراك المصري. وكفى ماحدث بينكم ولكم بعد اوسلو وحتى لاتصدق نبؤة فاروق القدومى (ابو اللطف) رئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية - وزير الخارجية قبل سلطة رام الله- حيث كان المصدر الصحفى القريب لسنوات صداقة طويلة بيننا. كثيرا ما التقينا وتقابلنا فى القاهرة والعواصم العربية فى كل اجتماع ومؤتمر ولقاء عربى. ولعمرى مازالت تحضرنى قصة آخر لقاء صحفى بيننا بالقاهرة وبعد توقيع عرفات أوسلو بأسابيع وطالبته بالاعتراف والتعاطى مع أوسلو والمساندة لعرفات ويومها لم يكن كعادته كان مسكونا بالحزن وإمارات الحيرة والخوف من الآتى. استغرق الحوار دقائق بدلا من ساعتين كما كان دوما فى السابق وابلغنى وهو يفرد خريطة فلسطين المحتلة. أين هى دولتنا الجديدة؟ وأين ستقام. وأين حلم ٥٠ عاما من من النضال والكفاح المسلح؟ لقد أخطأ عرفات. واخطأ رجالنا فى أوسلو. وانهى حواره وهو ينظر الى بأسى وحزن دفين انتهى الحلم وضاع العمر. حاولت تشجيعه على الحديث لكنه عاد وابلغنى بكلمته الأخيرة أنا من الآن صايم عن الكلام لآخر يوم فى حياتى وقد كان. ومن بعدها غادر أبو اللطف المشهد وتوارى عن الأنظار والجميع حتى الآن.

كنت بعدها أقول بداخلى لعل أبو اللطف أخطأ وتسرع فى الانسحاب. خاصة وأنا فى طريقى كل مرة أتابع تغطية المفاوضات بين الجانبين الفلسطينى - الإسرائيلى هنا فى القاهرة بعد أوسلو لحل القضايا العالقة فى فندق شيراتون الجزيرة، حيث التقى نهاية كل يوم وحتى فجرا مع فريق التفاوض الفلسطينى حسن عصفور ومحمد دحلان ونبيل شعث وهم أحياء الآن وغيرهم ويحدونى الأمل بقرب التسوية الكاملة. إلى أن تمزق الحلم وانتهت المفاوضات بلاشىء وتخلصت السلطة بعد عرفات من فريق أوسلو ووصلنا الى تلك النهايات والمنلات المفجعة ٠! فهل تتعافى سلطة أبو مازن والفصائل وقبلهم إسرائيل من أمراض الصراع الرهيب وينحون نحو استخلاص الدروس والعبر بان الفرصة الباقية هى آخر الفرص. وانه لاحل ولااستقرار ولاعيش مشتركا إلا بإقامة الدولة الفلسطينية. ولذا فلا مناص أمام الجميع إلا انتهاز فرص وقوة الزخم والحضور المصرى الطاغى حاليا فى الإقليم.